العلاقات الأسرية من قصة إبراهيم

{رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}[إبراهيم:37].

{وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}[البقرة:127-129]. {قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصافات:102].

في تدبرنا لطبيعة العلاقات الداخلية بين أفراد هذه الأسرة المباركة الطيبة؛ وذلك من خلال قراءتنا لمواقفهم في كل مراحل بناء البيت الحرام، يمكننا ملاحظة الآتي:

1- علاقة الزوج -الأب- بالأفراد: وبتأملنا سيرة الخليل -عليه السلام- مع أسرته، نجد العلامة الواضحة فيها هي بروز الدور التفقدي والراعي لهم جميعاً، دون محاباة لأحد على حساب أحد، ولكن ما يهمنا هنا هو ثقة إبراهيم -عليه السلام- في زوجته؛ بحيث يستأمنها على وليده ووحيده، وينطلق وكله ثقة في رعايتها له في تلك الظروف الصعبة، ثم ثقته في ولده -عليه السلام- عندما طلب منه تغيير زوجته، ثم مشاركته في بناء البيت الحرام.

2- علاقة الزوجة بزوجها: فتدبر تلك القـنـاعـة الرفيعة، وذلك الرضى السابغ الذي ملأ قلب هاجر المؤمنة الصابرة حين تركها وولـيـدها وحيدين في الصحراء؛ وهذا لا ينشأ إلا في ذلك الجو الصحي الذي يظلل العلاقة بينها وبين زوجها؛ ذلك الجو أو البيئة التي تقطر ثقة واحتراماً.

3- علاقة الابن بوالده: في المواقف المختلفة لإسماعيل مع والده -عليهما السلام- أثناء زيارة الخليل -عليه السلام- الأولى إلى أسرته في مكة، وقصده المكان الذي تركهما فيه.

فتدبر هذين الموقفين العظيمين من إسماعيل مع أبيه -عليهما السلام- وهو يطيع توجيهاته كما تصله من زوجته، وما يوحيانه في النفس مـن إكبار وإجلال لتلك العلاقة القدوة بين الابن وأبيه، والمبنية على الثقة والاحترام.

ثم في أثناء الزيارة الثالثة، عندما قصده والده -عليهما السلام- لإعانته على بناء البيت.

وعندما نأتي إلى قمة المحنة؛ حيث تعرضت هذه العلاقة لاختبار عظيم، عندما أمر الله -عز وجل- إبراهـيـم -عليه السلام- أن يذبح ابنه إسماعيل -عليه السلام-: {قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصافات:102].

فتدبر أيضاً هذه المبادرة إلى الطاعة بمجرد أن يأمر الوالد ولده، وذلك في كلا الموقفين العصيبين، وما كانت هذه الطاعة لولد إلا في أجواء الثقة العميقة.

[المصدر: من مقالة مع قصة إبراهيم عليه السلام - د/حمدي شعيب]