إنَّ لقراءة القرآن منـزلةً عُظْمَى، ورتبةً عُليا، وفَرَحًا رُوحانيًا لا يضاهيه فرحٌ، ولذةً لا تضاهيها لَذَّةٌ؛ لأنّه كلامُ الله -عز وجل- الملِكِ العّلام، الذي بيدِهِ أَزِمّةُ الأمور، ومقاليدُ النّاس، لذا كان حافظُ القرآنِ عامرَ القلبِ، ومُهمِلُ القرآنِ مظلمَ القلبِ.
استمع معي -أُخَيَّ- إلى قولِ قرةِ العينِ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الذي ليس في جوفِهِ شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ". [الترمذي:2913]
ويَحسُنُ بنا أنْ نعطِّرَ مجلسَنا بذكرِ نبذةٍ عن مقرئ ِالأئمَّةِ والأعلامِ على مَرِّ السنينَ والأعوامِ، عن "أبي عبد الرحمن، عبد الله بن حبيب السلميّ "الضرير، المولود في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، المتوفَّى -على أحـد الأقوال- سنة (85) هـ، وله من العمر (90) سنة، ولأبيه صُحبةٌ.
كان في العبادة لبيبًا، وفي التعليم أريبًا، وكان المنتهى إليه في القراءة تجويدًا وضبطًا، أَخَذَ القراءةَ عرضاً عن السادةِ عثمانَ، وعليّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأُبَيّ بن كعبٍ - رضي الله عنهم-.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: أَخَذْنَا القرآنَ عن قومٍ أخبرونا أنَّهم كانوا إذا تعلّموا عشرَ آياتٍ لم يجاوزوهنَّ إلى العشر الأُخَرِ حتى يَعْلَموا ما فيهنَّ، فكنّا نتعلّم القرآنَ والعملَ به، وإنَّه سيرثُ القرآنَ بعدَنا قومٌ يَشْرَبُونَهَ شُربَ الماءِ لا يُجاوزُ تَراقيهم، بل لا يُجاوزُ هاهنا (ووضع يده على حلقه).
كان أبو عبد الرحمن السلمي أوّلَ من أقرأَ الناسَ بالكوفة بالقراءةِ المجمَعِ عليها، وكان يُقرئ القرآنَ يبتغي فيه وَجهَ اللهِ -عز وجل- لا يُريد على ذلك أجرًا، حتى إن رجلاً كان يقرأُ عليه فأهدَى له فرسًا فردّها عليه، وقال له: ألا كان هذا قبل القراءةِ.
كأنّه قال: أنا لا آخذُ منك أجراً على تعليمك القرآنَ، وإنما أحتسبُ، ولو لم أكن معلّمًا لك لأخذتُ الفرسَ هديةً.
وكان ثقةً، كبيرَ القدْرِ، وحديثُهُ مُخَرَّج في الكتبِ الستة.
ولكن السؤال:
ما الذي جَعَلَ هذا الإمامَ الصوّامَ القَوّامَ يعكف في المسجدِ الأعظمِ في الكوفةِ أربعين سنةً يُعلّم الناس ولا يقبل منهم على التعليم أجرًا؟!
أجل، الذي حمَلَهُ على ذلك حديثٌ يرويه عن عثمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا وهو "خَيرُكم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه".
وعَلَّم القرآنَ في إِمرةِ عثمانَ حتى كان الحجَّاجُ، قال: ذاك الذي أَقعَدَني مَقْعَدي هذا. [البخاري:5027، الترمذي:2907]
هذا طَرَفٌ من أخلاقِ معلِّمِ القرآن، وميزانٌ دقيقٌ يَزِنُ به معلّمُ القرآنِ نفسَه. [انظر حلية الأولياء 4/ 192، غاية النهاية 1/ 413، تهذيب التهذيب 5/ 183-184]
نسألُ اللهَ -عز وجل- أنْ يُخَلّقَنا بأخلاقِهِم ، ويُؤَدِّبنا بآدابهم.
وصَلّى اللهُ على سيّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبه وسَلَّم.
[بقلم: أ.د/ محمود بن يوسف فجال]
نماذج بلغت الثريا
إنَّ لقراءة القرآن منـزلةً عُظْمَى، ورتبةً عُليا، وفَرَحًا رُوحانيًا لا يضاهيه فرحٌ، ولذةً لا تضاهيها لَذَّةٌ؛ لأنّه كلامُ الله -عز وجل- الملِكِ العّلام، الذي بيدِهِ أَزِمّةُ الأمور، ومقاليدُ النّاس، لذا كان حافظُ القرآنِ عامرَ القلبِ، ومُهمِلُ القرآنِ مظلمَ القلبِ.
استمع معي -أُخَيَّ- إلى قولِ قرةِ العينِ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الذي ليس في جوفِهِ شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ". [الترمذي:2913]
ويَحسُنُ بنا أنْ نعطِّرَ مجلسَنا بذكرِ نبذةٍ عن مقرئ ِالأئمَّةِ والأعلامِ على مَرِّ السنينَ والأعوامِ، عن "أبي عبد الرحمن، عبد الله بن حبيب السلميّ "الضرير، المولود في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، المتوفَّى -على أحـد الأقوال- سنة (85) هـ، وله من العمر (90) سنة، ولأبيه صُحبةٌ.
كان في العبادة لبيبًا، وفي التعليم أريبًا، وكان المنتهى إليه في القراءة تجويدًا وضبطًا، أَخَذَ القراءةَ عرضاً عن السادةِ عثمانَ، وعليّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأُبَيّ بن كعبٍ - رضي الله عنهم-.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: أَخَذْنَا القرآنَ عن قومٍ أخبرونا أنَّهم كانوا إذا تعلّموا عشرَ آياتٍ لم يجاوزوهنَّ إلى العشر الأُخَرِ حتى يَعْلَموا ما فيهنَّ، فكنّا نتعلّم القرآنَ والعملَ به، وإنَّه سيرثُ القرآنَ بعدَنا قومٌ يَشْرَبُونَهَ شُربَ الماءِ لا يُجاوزُ تَراقيهم، بل لا يُجاوزُ هاهنا (ووضع يده على حلقه).
كان أبو عبد الرحمن السلمي أوّلَ من أقرأَ الناسَ بالكوفة بالقراءةِ المجمَعِ عليها، وكان يُقرئ القرآنَ يبتغي فيه وَجهَ اللهِ -عز وجل- لا يُريد على ذلك أجرًا، حتى إن رجلاً كان يقرأُ عليه فأهدَى له فرسًا فردّها عليه، وقال له: ألا كان هذا قبل القراءةِ.
كأنّه قال: أنا لا آخذُ منك أجراً على تعليمك القرآنَ، وإنما أحتسبُ، ولو لم أكن معلّمًا لك لأخذتُ الفرسَ هديةً.
وكان ثقةً، كبيرَ القدْرِ، وحديثُهُ مُخَرَّج في الكتبِ الستة.
ولكن السؤال:
ما الذي جَعَلَ هذا الإمامَ الصوّامَ القَوّامَ يعكف في المسجدِ الأعظمِ في الكوفةِ أربعين سنةً يُعلّم الناس ولا يقبل منهم على التعليم أجرًا؟!
أجل، الذي حمَلَهُ على ذلك حديثٌ يرويه عن عثمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا وهو "خَيرُكم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه".
وعَلَّم القرآنَ في إِمرةِ عثمانَ حتى كان الحجَّاجُ، قال: ذاك الذي أَقعَدَني مَقْعَدي هذا. [البخاري:5027، الترمذي:2907]
هذا طَرَفٌ من أخلاقِ معلِّمِ القرآن، وميزانٌ دقيقٌ يَزِنُ به معلّمُ القرآنِ نفسَه. [انظر حلية الأولياء 4/ 192، غاية النهاية 1/ 413، تهذيب التهذيب 5/ 183-184]
نسألُ اللهَ -عز وجل- أنْ يُخَلّقَنا بأخلاقِهِم ، ويُؤَدِّبنا بآدابهم.
وصَلّى اللهُ على سيّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبه وسَلَّم.
[بقلم: أ.د/ محمود بن يوسف فجال]